صدور الجزء الثاني من رسائل صمويل بيكيت Albutanaahlamuntadacom4
صدر عن مطبعة جامعة كامبردج مؤخرا الجزء الثاني من رسائل صمويل بيكيت الذي يغطي الفترة الممتدة من 1941 الى 1956 واعتبره بعض النقاد كتاب العام 2011 بلا منازع.
ونزولا عند رغبة بيكيت عندما وافق في عام 1985 على نشر مراسلاته ، اقتصر الجزء الثاني على "الرسائل ذات العلاقة ببيكيت الكاتب" وليس تلك التي قد تكشف جوانب من حياته الخاصة رغم صعوبة مثل هذا التمييز.
ويشكل الجزء الثاني من رسائل بيكيت سفرا عبر اهم المحطات وأصعبها في حياة الكاتب الايرلندي الذي عُرف بنظرته السوداوية ورفضه المقابلات الصحفية والجوائز الأدبية والعضوية في اكاديمية الأدب الايرلندية. ويرى بعض النقاد ان موقف بيكيت من الحياة وجد تعبيره على لسان احد ابطاله حين يقول "لا شيء يحدث ، لا أحد يأتي ، لا أحد يذهب".
وجاء الجزء الثاني خلوا من رسائل بيكيت في سنوات الحرب عندما كان هاربا مع سوزان ديكوفو دوميسنيل التي اصبحت زوجته. ومنحت فرنسا بيكيت وسام "صليب الحرب" تقديرا لشجاعته ودوره في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي. ولكن هذه الفترة وصمت بيكيت بشأنها تعتبر ، برأي العديد من النقاد ، الخلفية التي ترتكز اليها أهم اعماله ، وان من الصعب ، مثلا ، ألا يرى المرء في شخصية بوزو مع خادمه لاكي في مسرحية "في انتظار غودو" انعكاسا للقسوة التي أدت الى موت صديق بيكيت ورفيقه في حركة المقاومة الفريد بيرون.
وتشي الرسائل التي اعقبت هذه الفترة بتأثيرها العميق في حياته واعماله. وفيها بدأ يكتب رسائله بالفرنسية بقدر ما يكتبها بالانكليزية. كما تغيرت نبرته. ويلاحظ محررو الجزء الثاني ان بيكيت "لا يشكو من أحد إلا من نفسه ولا يشكو من شيء إلا مما يرى انها مواطن خلل فيه".
اقترنت السنوات التي تغطيها الرسائل بأهم انجازات بيكيت التي غيرت المشهد الأدبي بعد الحرب ، مثل رواية "وات" التي كتبها بالانكليزية حين كان هاربا من النازيين في جنوب فرنسا ، وثلاثية "مولوي" عمله الوحيد الذي لم يترجمه بنفسه الى الانكليزية بل بالتعاون مع باتريك باولز ، وبالطبع "في انتظار غودو".
تستأثر بنصيب وافر من الجزء الثاني مراسلات بيكيت مع ناشره جيروم ليندن والناقد الفني الفرنسي جورج دوتو خلال الفترة الممتدة من ايار/مايو 1948 الى كانون الثاني/يناير 1952. وكانت تلك فترة دقيقة في حياة بيكيت الابداعية انتقل خلالها من الكتابة بالانكليزية الى الفرنسية ، ومن النثر الى الدراما ، ومن كاتب مغمور نسبيا الى كاتب معروف رغم انه لم يحقق الشهرة إلا بعد العرض الأول لمسرحية "في انتظار غودو" في مطلع 1953. ولم يكن بين بيكيت ودوتو ما يشتركان به إلا حبهما للرسم ولكن يتضح من المراسلات ان بيكيت كان ينظر باهتمام الى حواراته مع دوتو. وكتب بعد اسابيع من شروعه في العمل على مسرحية "في انتظار غودو" ان "حديثي معك عن المسرحية بطريقتي المتلعثمة ، كان مريحا".
وتلقي مراسلات بيكيت مع دوتو ضوء على الموضوعات التي كانت تشغله في عمله الابداعي طارحا على غير عادته في بعض الأحيان آراء ذات مضمون جمالي. وهو يقول في احدى الرسائل "أُريد مسرحا مختَزَلا الى وسائله ، بالكلام والتمثيل من دون رسم ومن دون موسيقى ومن دون تزويقات".
ويكتب من بيته الريفي على بعد 50 كلم عن باريس مازحا عن امكانية الاستقرار هناك: "15 أو 20 عاما من الصمت والاعتكاف ، يضيؤها العمل في الحديقة ونزهات على الأقدام تكون أقصر فأقصر". ويكتب في احيان كثيرة عن البستنة وزرع الأشجار واقتلاع الأعشاب الضارة.
كما يضم الجزء الثاني رسائل غنية بالمعلومات بعث بها الى غرباء. ويوضح في رسالة الى مترجم الماني مواقفه من جويس وبروست وكافكا وايرلندا. وعن تحوله للكتابة بالفرنسية يقول: "مفتاح واحد: الحاجة الى ان أكون صاحب عُدة هزيلة".
كان الجزء الأول من مراسلات بيكيت صدر عام 2009 في 782 صفحة تغطي الفترة الممتدة من 1929 الى 1940.

_______________________________________
إعداد عبدالاله مجيد- إيلاف