مفهوم الأدب الشعبى

الأدب الشعبى هو الأدب الذى يصدره الشعب، فيعبر عن وجدانه ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية. وقد اقر مجمع اللغة بالقاهرة " المأثورات الشعبية لكلمة فولكلور" وأول من استعمل كلمة فولكلور للدلالة على الآثار الشعبية القديمة هو العالم الانجليزى تومذ، وقد صاغ تومذ كلمة فولكلور من كلمتين هما فولك بمعنى الشعب أو الصف من الناس ، ولور بمعنى الحكمة. إلا أن اللغات العالمية بوجه عام تعبر عنها بالفنون الشعبية.

خصائص الفنون الشعبية:

هذه المأثورات يجب أن تتصف بالمراقة حتى تكشف لنا عن حياة الأجداد سواء كانت هذه الأصالة تتصل بالموسيقى، أو بأعمال الفخار، أو بأغانى المناسبات، أو نحوها من الفنون الشعبية الأصلية. ثانيا أن تتصف بصفة الحيوية بأن تكون جارية فى الا ستعمال اليومى، فالمأثورات الشعبية الجامدة لا تعد من التراث الشعبى، ثالثا يجب أن تؤخذ الأقوال من افواه قائليها، فينبغى إذن على الذى يريد أن يجمع هذه المأثورات أن يذهب إليهم فى القرى وفى الصحارى والوديان، ويسجل منهم ما يريده، وعندنا فى السودان مجال واسع للباحث فى هذا اللون الشعبى، إذن فالنتجه إلى الحقول لندون أغانى الفلاحين والرعاه، ولنصغى إلى أغانى الآبار وحكاوى السمار فى الليالى المقمرة، والخاصية الرابعة أن تكون دراجة الأسلوب، فالشعر الفصيح لا يعد أدبا اللهم إلا إذا انطبقت عليه خصائص الأدب الشعبى كالتحريف والرواية الشفوية والعراقة " كحكاية ألف ليلة وليلة" مثلا وهنالك من يذهب إلى أن ليست الدراجة أو الفصحى هى المعول عليها فى الأدب الشعبى إنما المعول عليه هو بيان روح الشعب وترجمة حياته، ذكر الدكتور عبد الحميد يونس فى صدر كتابه عن "الظاهر بيبرس فى القصص الشعبى"

ليس بالضرورة أدب لهجات دراجة فان فى الآثار الفصيحة ما يمكن أن يكون شعبيا كما أن فى الآثار المكتوبة باللهجات الدراجة ما لا يستطيع باحث أن يضمه إلى نطاق الأدب الشعبى، وإنما المعول عليه بيان روح الشعب والترجمة عن حياته وأفكاره وآماله وأحلامه بالاسلوب الذى يعطى لكل هذه الأشياء حقها من التعبير".
إذن أن دراسة اللهجات الدارجة ليست تعنى التقليد والاتجاه نحو العامية، إنما المقصود من دراستنا لأدب العامة هو استنباط قيم وقوانين تساعدنا على إدراك سيكلوجية المجتمع، ومدى ما يتمتع به من مميزات.
أقوال مما لا شك فيه أن التراث الشعبى من فنون وآداب شعبية يعبر عن الحياة بما فيها من أفراح وأحزان دون كذب أو رياء، فهو تراث فكرى لحياة الشعوب لما يتضمنه من قيم روحية، وفنون أدبية شعبية، وموسيقى ورقص، ومما يجدر ذكره أن التراث الشعبى فى الاصطلاح العلمى الحديث يشمل القصص الشعبية التى تنتقل من جيل إلى جيل، وهو تارة على هيئة أغاريد أو قصص موسيقية راقصة، هذا الانتاج الفنى الشعبى نسمعه فى الأغانى الشعبية، والأغانى الدينية، وقصص شعراء الربابة، والمداحين نسمعه فى أدب المناحة، وأدب الآبار، والمثل السائر. و الاحاجى وحكاوى الأطفال.
فالادب الشعبى إذن يؤدى إلى وظائف اجتماعية أهمها تكوين وخلق قوالب انفعالية وسلوكية تعين المجتمع على الاحتفاظ بتماسكه، ويقوم بوظيفة التربية، كما أنه يساعد على حل كثير من مشاكلنا الأدبية والفنية.
ونحن لا يمكن أن ننهض بآدابنا ما لم ننقب عن تراثنا الشعبى ، وننتفع بتاريخ الأجداد، أن تراثنا الشعبى جواهر ثمينة تغطيها الرماد فهو فى حاجة ماسة إلى الجمع والتبويب، وأنه بلا شك ثروة مليئة بامكانيات التطور.

إن التاريخ الحقيقى للسودان يكمن فى تراثنا الشعبى، وأن دراسة الشعب أصبحت مادة هامة للكشف عن نفسيته والتوصل إلى معرفة عقليته حتى ندرك المعانى والأهداف والأمانى والآمال التى يتوق إليها الشعب من أجل ذلك أصبحت دراسة الفولكلور مادة هامة تدرس فى الجامعات بل وجدنا من نال درجة الدكتوراه فى هذا اللون الشعبى فى العالم العربى ففى سنة 1957م صدر فى الخرطوم كتاب "الحاردلو شاعر البطانة" للدكتور عبد المجيد عابدين والأستاذ مبارك إبراهيم تناولا فيه حياة الشاعر وأعطيا فكرة ضافية عن الحياة فى البطانة حيث نشأ الشاعر، وقاما أيضا بشرح النماذج الشعرية، والكلمات الأقليمية العويصة.
وأصدرت الندوة الأدبية بأم درمان الجزء الأول " من روائع الشعر الشعبى" تضمن دراستين للدكتور عبد المجيد عابدين، والأستاذ محمد نور سيد أحمد.
كما قام مؤلف هذا الكتاب بوضع الجزء الأول من روائع أدبنا الشعبى فى سنة 1958م وقد تضمن الكتاب نماذج شعرية شعبية.

وفى سنة 1958م صدر كتاب " الأدب الشعبى فى جزيرة العرب" للاستاذ عبد الله أمين خميس تحدث فيه الكاتب عن الفنون الدارجة فى شبه الجزيرة.
وفى نجد صدر كتاب " الأمثال العامية فى نجد" وقد ضم ألف مثل فى شبه الجزيرة.
وفى مصر كتبت الدكتورة سهير القلماوى رسالة ضافية عن " ألف ليلة وليلة" وقدم الدكتور عبد الحميد يونس رسالته عن " الهلالية فى التاريخ والأدب الشعبى" كما أن الأستاذ رشدى صالح قام بتأليف كتاب " الأدب الشعبى" "وفنون الأدب الشعبى والشعر" "وفنون الأدب الشعبى والنثر".
ما يشترط فى الأدب الشعبى: أولا أن تكون الأصل فيه الراوية الشفوية فالاداب التى دونت ونسبت إلى قائل معين بحيث لا تختلف فيها الأفكار لا تعد أدبا شعبيا، ثانيا أن يعبر عن شخصية الجماعة لا الفرد فالتعبير النابع من فرد معين إنما هو تعبير ذاتى، وعلى هذا الاساس نستطيع أن نطلق على الشعراء الشعبيين الذين تناقلت الأجيال نتاجهم، وأضافت إليه شيئا من أفكارها على مدى الزمن نستطيع أن نطلق عليه أدبا شعبيا كملحمة هو ميروس، وحكايات ألف ليلة وليلة، وكأشعار الحاردلو عندنا فى السودان. وستناول فى هذه الدراسة الفنون القولية لأن الفنون الشعبية تشمل فنونا عديدة كالأغانى الراقصة والاساطير ، والرسومات القديمة والنقش وما إلى ذلك.
والفنون الشعبية كما حددها خبراء اليونسكو أربعة (1) النحت والتصوير (2) الفنون التطبيقية الشعبية (3) الموسيقى والرقص والتمثيل (4) الأدب والفنون اللفظية الشعبية.



الأدب الشعبى أداة تثقيفية وصور جمالية


فوائده:

وتشمل الفنون القولية:
فنون الشعر الشعبى، المواليا، الزجل، التواشيح، الدوبيت، الأغنية الشعبية، الأهازيج، أغانى الآبار، أغانى ترقيص الصبية، أغانى الفلاحين.

فنون النثر الشعبية، الملحمة ، السيرة الشعبية، أدب النواح، أدب المدائح، الأسطورة الأمثال والحكم، الاحاجى والقصص الخرافية، الألغاز والنوادر.
أن المجتمع السودانى عاش فترة من فترات حياته لا يملك زمام نفسه نتيجة للضغط الاستعمارى، فكانت له أمانى وآمال يتوق إلى تحقيقها نحسها فى أغانى الطفولة، والأهازيج، والزجل، واغانى الفلاحين والرعاه.

والآن تقلد الشعب السودانى زمام نفسه، فقد حان الوقت الذى يحقق فيه آماله وامانيه حتى يساهم بتراثه فى الحضارة الانسانية.
فالأدب الشعبى هو التاريخ للحياة المجتمعية أى التصوير الوجدانى لحياة الشعوب كما فى السيرة الشعبية ودراستنا للاساطير تمكننا من معرفة تطوير التفكير الانسانى، وإن العقلية السودانية وصلت إلى مستوى فكرى معين.


كما أن دراسة القصص الخرافية كالاحاجى مثلا تعتبر أداة تثقيفية هامة إذا أغضينا النظر عن النواحى التاريخية، فما لا شك فيه أن القصص الخرافية تتضمن معانى خلقية، ومثل وقيم اجتماعية بالاضافة إلى المعلومات الجغرافية كاسماء البلدان والنباتات والبحار والحيوانات والجبال والصحارى زيادة على ذلك أنها تزود الاجيال بمعرفة اصولها وقبائلهم التى انحدروا منها ودراسة الملاحم تبث الحماس وتذكى النفوس بالشعور القومى، فهى ربط الماضى بالحاضر كما أن أدب المدائح يكشف لنا عما يعتمل فى نفوس الشعب من أوهام ومخاوف حيث تتجسد تلك المخاوف فى الأمراض النفسية والجسمية والأزمات التى يتصدى لمجابهتها الدراويش والأولياء، فهم أبطال يدافعون الشرور فى نظر العامة. ودراسة الأمثال والحكم تفيدنا فى اكتساب تجارب الأجداد وخبراتهم. فهى بمثابة الشعارات التى توجه سلوك الأفراد، كما أن دراسة النوادر والألغاز تقوم بدور الترفيه عن النفس والتسلية. وإذا تركنا النواحى الموضوعية فدراسة الأدب الشعبى أيضا تفيدنا فى النواحى الجمالية كالصور الحية التى نلمسها فى الدوبيت والأزجال والتواشيح، والاهازيج ، وأغانى الفلاحين و الرعاه.


العادات والتقاليد الشعبية
إن دراسة عادات الشعب وتقاليده تكشف لنا النقاب عن سيكلوجية الأفراد، وتعين الباحث التاريخى على التغلغل فى حياة الشعب حتى تكون افتراضاته مطابقة للواقع.

فالوقائع التاريخية ليست غاية الباحث إنما هى بداية، فان أى مجموعة من الوقائع لا يمكن أن تكون وحدها علما لأن القاعدة التى اتفق عليها جهابذة علم الاجتماع "بعد جمع الوقائع ابحث بعد ذلك عن العلة" والبحث عن العلة بالطبع يقتضى الاحاطة بعادات وتقاليد الشعب الذى هو موضوع الدراسة، ولقد شبه المؤرخ الكبير نيبور الشخص الذى يتصدى إلى كتابة التاريخ، شبهه بالرجل الذى يقبع فى حجرة مظلمة، اعتادت عيناه تدريجيا على الظلام، فهو بالطبع يرى ما بداخل الحجرة لأنه تكيف بالجو العام فى الحجرة، ولكن الشخص الذى دخل فجاة فانه لا يستطيع أن يدرك ما بداخل الحجرة.

ارجع فاقول إذا كان عالم الاجتماع ينظر إلى العادات والتقاليد الشعبية على أنها ظواهر برزت نتيجة لظروف اجتماعية، فان عالم الفولكلور ينظر إليها من زاوية أخرى، وهى أن دراسة العادات والتقاليد الشعبية تحفزنا إلى التكهن بما يعتمل فى نفوس الشعب من آمال وآلام وأوهام.

ربما تعجب ايها القارئ إذا علمت أن بعض العادات التى نتمسك بها إلى يومنا هذا تحمل فى ثناياها أوهاما وأساطير وعقائد وثنية توارثناها من قديم الزمان، ولكن سلطان العادة جعلنا نختلق لها مبررات حتى تلائم معتقداتنا الحالية، فمعظم العادات السودانية يرجع تاريخها إلى العهد الفرعونى حيث كان الفراعنة يقدسون النيل، ويعبدون الشمس، ويعتقدون فى طقوس ومعتقدات تلائم العصر الذى كانوا يعيشون فيه.
فعادة الختان الفرعونية خير برهان نستشف منه خضوعنا لسلطان العادة، فتمعن فى هذه العادة التى مازالت موضع الاعتبار فى بيئتنا السودانية التى تقول أن مة اجتاز البحر- ويقصدون به نهر النيل- يجب أن لا يدخل على المرأة النفساء حتى لا يجلب لها الشر، فتخرج هى أولا من الحجرة لتفسح لها المجال ليدخل هو، تسمى هذه العادة "بالكبسة" ولا يزال يوجد فى مجتمعنا السودانى من يعتقد فى شفاء ماء البحر ، نرى النسوة يذهبن فى أوقات الافراح والختان والنفاس وفى المرض إلى النيل، قارن بين هذه العادة وبين الطقوس الفرعونية القديمة حيث أنهم يعبدون النيل قارن بين هذه العادة وبين الطقوس الفرعونية القديمة حيث أنهم يعبدون النيل لأنه جالب الخير، بل انظر الى ذلك الطفل الذى يقذف باسنانه التالفة الى الشمس فيقول عند قذفها "هاك سن الحمار وادينى سن الغزال" ويشفع السن بقليل من حب العيش والفحم، أنه يعتقد فى رحمة الشمس حيث أنها تهب الخير.

وحبوب العيش والفحم رمز الى الخير وهذا اعتقاد وثنى لا محالة، كثيرا ما نشاهد بعض زوار المقابر وخاصة مقابر الأولياء عندنا فى السودان يدفنون النقود داخل قبر الميت، وقد يضعون بعض الخبز فوق القبر، قارن بينها وبين عادات الفراعنة حيث انهم كانوا يضعون الأكل والشرب والذهب داخل قبر الميت اعتقادا منهم بأن الميت سيبعث في قبره، وينتفع بهذه الأشياء، ونجد أيضا النسوة يشاهدون القمر في أول كل شهر عربي ويتفاء ابن برؤيته خيرا، قارن بين هذا الاعتقاد وبين اعتقاد القدماء في عبادة الكواكب.
ونسبة لآن مجال هذا الكتاب الفنون القولية فانني سأقتصر علي سرد بعض عاداتنا السودانية ممهدا للدارسين فيما بعد لعلهم يهتمون بهذا اللون . الشعبي الهام

. وهاك بعض عاداتنا السوادنية:-

تضع المرأة السودانية فتلة خيط حمراء بين ضفائر شعرها حتي تكف العين .

هنا لك اعتقادا شائع " أن من ارتدي معطفا أحمر سيشفي من الأمراض .
إذا رفت عيني أحد فانه لا محالة سيرى شخصا غريبا.
من يستحم في وقت الغروب فانه معرض للأمراض.
من ينام في مدخل المنزل أو علي الكراب- مؤخرة السرير – معرض للشر.
ان مات سالت القهوة فجأة علي ملابسه فانه سيصيب مالا.
ان من استقرت في ملابسه حشرة تشبه الذبابة في شكلها فإنه سيرتدى ملابس جديدة .
من شعر بتنميل في سيصيب مالا .
من ارتدى معطفا أحمر فانه سيشفي من الأمراض.
نجد المرأة السودانية كثيرة التشبث بالأولياء والدراويش تنقرب اليهم بالذبائح وتخيط لهم الرايات البيض .
شرب اللبن في الظلام يجلب الشر .


الدوبيت السودانى

الشعر الشعبي نوعان الدوبيت الفارسي المعرب وهو فن حضرى نقله العرب المشارقة في العصر العباس من الفارسية إلي العربية ، وقالوا أن دوبيت كلمة فارسية معناها البيتان.

الدوبيت الرجزى وهو قد نشأ في البادية ولا يزال أشهر أنواع الدوبيت بين السودانيين، وقد علل المؤرخون أن الرجز نشأ مقترنا بنغمات سير الجمل إذ يخفف عن الجمل وراكبه مشقة السير الطويل ، ذكر الأستاذ محمد نور سيد أحمد من القاب الشعراء الشعبيين، والراوي هو الذي يقول الشعر من وجدانه ومن يحفظ شعر غيره أيضا يطلقون عليه " راوي"


اللبيب هو الذي يقول الشعر ويغيبه بنفسه ويرويه غيره.
المادح هو الذي يقول المديح أو يرويه عن غيره في الشئون الدينية، كمدح النبي والأولياء ومشايخ الطرق في أذكارهم .
النميم هو الذي يترنم بالدوبيت.

وعلل المؤرخون منهم الدكتور عبد المجيد عابدين في كتابه " تاريخ الثقافة العربية في السودان" عللوا أن دخول الدوبيت في السودان تم بواسطة رجال القوافل بين مصر والسودان عن طريق د نقلا غربا وأخري عن طريق اسيوط الفاشر " درب الأربعين " .

الحاردلـــو
حينما تتحدث عن الشعر الشعبى في السودان أول شعار يتراءى لنا الشاعر السوداني الشعبي محمد أحمد ابوسن الملقب بالحاردلو ولقب محمد أحمد ابوسن بالحاردلو في سن الأربعين نسبة لانه كان حاد المزاج يثور لانفه الامور فاشتهر بين قومه بالحار ولما تولي منصبا اداريا فقد ثار عليه الأهالي وطالبوا بانزاله من هذا المنصب الحار دلو أي الحار طباعه أنزلوه، ولد الحار دلو سنة 1820 م وتوفي في سنة 1917 وقد كان والده أول مدير لمديرية الخرطوم.

والحاردلو من قبيلة الشكريه، وهي قبيلة عربية عريقة ، قدم الشكريه إلي السودان في أوائل القرن الخامس عشر وسكنوا حول جبل قيلي .

وقد عاصر الحاردلو الخليفة عبد الله التعايش وقضي فترة من حياته في ام درمان وشاعرنا الحاردلو وصف في شعره جمال البادية، وتغني بالشجاعة والكرم، أما في الكرم فإنه مثله الأعلى ينصب في هذا الشخص الذى يقول فيه .

ما أكل حلو بيتو والمعاه جيعان
وما لبس الرفيع والمعاه عريان
مامون السجايا اليستودع النسوان
ضباح الخلايا عشا الضيفان
وأما في الشجاعة فقصيدته الشبل المستضعف خير نموذج لقوة الوصف، يعلل الاستاذ حسن عباس صبحي أن الشبل المستضعف هو رمز إلي الشعب السوداني في تلك الفترة العصبية التي عاشها تحت ذل الاستبعاد، وهو بلا شك تعليل مقبول، فالحاردلو شاعر سوادني عريق، انفعل بالحوادث التي المت بقومه، فكان شعره مرآة تعكس البيئة السودانية.
يقول الحاردلو واصفا الشبل المستضعف.
جابوك للسوق ساكت درادر ضيعه
وامك في الحريم ماها المره السميعة
نثرة ناس أبوك اللي رجال لويعة
وإت كان كبر جنبا تقلب البيعة
***
جابوك في السوق ساكت وللفراجة
وأمك في الحريم مرة بتقضي الحاجة
كفتت ناس بوك للعافية ما بتتعاجة
وإت كان كبر ما بتنجلب لخواجة .

أما في الوجدانيات فشاعرنا الحاردلو له جولات وصولات في التغزل في الحسان، وشعره يعتبر تخليدا للمقاييس السودانية في النواحي الجمالية للمرأة السودانية، ولكي لا نطيل علي القارئ الكريم نكتفي بهذه اللوحة الفنية التي يصور لنا فيها الشاعر جفلة معيز البطانة في وقت الأصيل، يصور لنا الشاعر احاسيسه ومشاعره والحسرة تملأ نفسه، والحرقة تلهب عواطفه المشبوبه عن مدى تشوقه إلي منظر المعيز، تلك الظباء التي تعود الشاعر أن يلتقي بها في وقت الأصيل يستأنس بجمالها الخلاب.

الليلة المعيز ماظنى أنا ملاقيهن
ناطحات البطين أدن قليلة قفيهن
سمعن طنت الشادى وكتر صنفيهن
وعند اللاصفرار جلفن بشوف لصفيهن.


الأغنية الشعبية

لقد جبل الانسان منذ بداية الخليقة علي التعبير والوصف ، فأخذ يعبر عن أحاسيسه ومشاعره تجاه الحياة بوسائل من النغم و الايقاع . والأغاني الشعبية تمتد الي فجر الحضارات القديمة لدى الاغريق والمصريين والرومان، ويرى الباحثون في هذا الفن أن الأغنية الشعبية ما هي إلا وسيلة للفكرة القومية، والتعبير الذاتي الصادق عن النفس الانسانية.

إذن لا غرابة إذا وجدنا أن الدوائر الأدبية في هذا العصر توجه عنايتها نحو التراث الغنائي الشعبي.
ومما يجدر ذكره أن المقصود بالأغاني الشعبية تلك الاغاني الجماعية التي تتناقلها الأجيال كأغاني السيرة وأغاني الأعراس.
والغريبة أن كثيرا من الباحثين ما يخلطون بين الشعر الشعبي، وبين شاعر الشعب، في الواقع أن هنا لك فرقا كبيرا بين المعنيين، فالشعر الشعبي هو شبه الاسطورى الذي تناقلت الاجبال نتاجه، وأضافت إليه ما يلائم عصرها، بينما شاعر الشعب هو الذى يعبر عن أفكاره تعبيرا ذاتيا، وربما يكون هذا التعبير باللغة الدراجة، فليس كل من قال شعرا عاميا هو شاعر شعبي في الاصطلاح العلمي.
الفن الشعبي اذن هو فن الجماعة ينفذ إلي القاع فيعبر عن الخواطر والخلجات النفسية المترسبه في اعماق الحضارات البشرية، فهو تعبير تلقائي يتسم بالعفوية، وليس له قواعد أو أجرومية تضبطه، فكلما صب النتاج الشعبي فى قوالب فنية معينة كلما ابتعد عن الطابع الجماعي الذى يميزه عن الفن المثقف .
لقد فرق علماء الفولكلور بين الفن الشعبي، والفن المثقف، فضربوا مثلا بالسمفونية التي تعزفها الأوركستر فهي تخضع لأجرومية الموسيقي، بينما المقطوعات الموسيقية الشعبية تكاد تكون تلقائية لا يراعي فيها الناحية التكنيكية التي تصبغ الموسيقي المثقفة.
لقد تناولت الأغنية الشعبية السودانية معان متنوعة، تنازلت الغزل كما في الأغاني الراقصة، وتناولت التغني بالكرم البرمكي. والشجاعة كما في أغاني السيرة.
انظر إلي هذه الأغنية الشعبية التي تمجد فيها المغنية العريس؛ وتصفه بالكرم والشجاعة، انطلق صوتها الحنون يتموج مع ضربات الدلوكة تردد:
يالحييت سنن البرامكة
عاجبني طول أيدو سامكة
ياليله هوى النعيم دراج للمتابكه
النعيم ودليلة القدر
دوكت بتقح مرحا كته بتكر
وقدحه للسرحان يجر .

وهذا النعيم لا يبخل بالعيش حتي في أوقات الشدة. ولا يخشى نفاذ الرزق لانه يتمتع بالكرم الأصيل لا الكرم المزيف الذي يقصد به استغلال الغير. واكبر دليل علي ذلك أنه فتح ديوانه للجميع في احرج الأوقات :
وقت العيش طلبه حر
لوريه بالسكه كرة
وقت العيش بقي معدوم
فتح ديوانه ستة خشوم
وقت العيش بقي بالقبض
النعيم حاشاه ما جحد
فتح ديوانه وقعد.
وانت استحققت يالنعيم درجة سير وهي كلمة انجليزية معناها سيد فأنت ايها السيد ركزه للضعيف تستحق هذا اللقب دون نزاع .
تموليك سير ياركزه ماك توتيل
سموك السما دربك زلق حدير
سموك القرش قلب السفينة أم دير
مبروك عليك يالضو صباح الخير.

فأمثال هذه الأغاني الشعبية التي تتضمن معاني الكرم والشجاعة في بلادنا. هي بلا شك تدفع الشباب نحو الشجاعة وعزة النفس. والعفة والكرم. حتي أنهم يندفعون في حلبة الرقص. ولا يحسون بضرب السياط علي ظهورهم في ما يسمي " بالبطان "
والبطان يرمز إلي الشجاعة والاعتزاز بالنفس. وهو من العادات التي في طريقها إلي الانقراض.

الأمثال الشعبية

قال ارسطو" كأن الأمثال متخلفات حكم قديمة ادركها الخراب، فسلمت هي من بين تلك الحكم لمتانتها وجزالة الفاظها" .
وقال سرفنتيس " المثل زبدة اختبار طويل مفرغة في قالب صغير" ويحضرنا في هذا المقام أن نذكر جهابذة العلماء العرب الذين دونوا الأمثال العربية الفصحي، والعامية، أمثال ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد ، وأبو هلال العسكرى في كتابة " جمهرة الأمثال " والميداني في كتابة المسمي " مجمع الأمثال" حيث أنه جمع فيه مايربو علي ستة آلاف مثل، كما لا يفوتنا أن نتعرف علي كتاب المؤرخ الكبير نعوم شقير" أمثال العوام في مصر والسودان والشام " طبع في القاهرة سنة 1894 م.

هذا السفر القيم ضم باقة من الأمثال في السودان ومصر وبلاد الشام مرتبة علي حروف المعجم، وفهرسها بمعجم ضمنه الغريب من الألفاظ كما قام بشرحها. كان نعوم شقير يدون الأمثال كما يسمعها من أهلها، فجعل بابا للأمثال الشامية، وبابا للأمثال السودانية ، وآخر للأمثال المصرية، وقد لا حظ إن الأمثال عند العوام كثيرا ما ترجع الي حكاية ثم تصير مثلا سائرا " قالوا في حكاية المثل المعروف وهو" ابوك خلف لك ايه يا جحا قال جدى ومات " إن جحا اجتمع برجل علي مائدة، فاراد الرجل أن يشغله عن الطعام ليصيب الحصة الكبرى فقال له " أبوك خلف لك ايه يا جحا" فادرك جحا قصده واقتصر القصة، وقال " جدى ومات "

اقوال إن كتاب " أمثال العوام في مصر والسودان والشام " يعتبر ذخيرة أدبية قيمة ، فمؤلفه كان علي دراية تامة بعادات ولهجات البلاد التي كتب عنها، يقول نعوم شقير في مقدمة كتابة " كان الغرض من هذا الكتاب الاحاطة بكل ما تجب معرفته عن هذه البلدان الثلاثة، وفي التاريخ والجغرافية ، والأخلاق، والعادات ، والخرافات . واللغة والآداب،ونحو ذلك.

وكانت الأمثال من أهم ما تجب معرفته من آداب القوم، اذهي مراه تنعكس منها اخلاقهم، وعاداتهم ،وشاهد عدل علي حالة اختلاف طبقاتهم، ونحلهم، فجمعت من أمثالهم اكثر من عشرة الاف مثل انتقيت منها هذه المجموعة، وهي تشتمل علي 4494 مثلا ، منها 1425 مثلا شاميا و 1526 مثلا مصريا و 533 مثلا سودانيا، فجاءت اكبر مجموعة ألفت في الأمثال العامية الي هذا اليوم – يقصد في سنة 1894 م – وسميتها " أمثال العوام في مصر والسودان والشام " ولاحظ أيضا نعوم شقير تشابه الأمثال في البلاد العربية، وقد علل التشابه " بأن العادات التي نشأت منها الأمثال في جميع العصور والبلدان هي عادات واحدة ، وهي عادات عربية، كما أن الاتصال التجاري، والكتب والجرائد العربية، التي لم تزال متداولة في البلاد العربية، قد تأثر بها العامة وحرفوها علي اختلاف بيئاتهم الجغرافية والثقافية.
والشئ الذي نأخذه علي نعوم شقير هو ترفعه عن الأمثال الدائرة علي السنة الرعاع، وذلك لمسماجتها، وانحطاط الفاظها كما يعتقد، وإغفاله لهذا الجانب الشعبي الهام الذي يعكس تجارب الشعب وأمانيه في تلك الفترة ذلك لأن المثل الشعبي الذي ينبع من البيئة هو الذي يفيدنا في مجال دراستنا الفولكلوريه، ثم إن ترك هذا الجانب الشعبي من الأمثال لا يسلب الكتاب قيمته، فهو محاولة جادة ومفيدة للباحثين، بل انني لأعجب كيف لا يتعرض له علماء الفولكلور في مؤلفاتهم العصرية .

فالمثل الشعبي اذن هو خلاصة تجارب، وخبرات صبت في كلمات موجزة تؤدي في مناسبات تفتقر إلي مثل هذه الشعارات الحكيمة. والأمثال من صميم الأدب الشعبي، لأنها تتضمن معاني خلقية ، واجتماعية تكشف لنا عن سلوك الفرد في المجموعة التي ينتمي اليها، فنحن عندما نفشل في اقناع شخص اقناعا عاطفيا، فاننا غالبا ما نلجأ إلي المثل الشعبي حتي يعبر عن التجربة السابقة في الحال، وطالما تعارف الناس علي أوضاع اجتماعية، وسمات خلقية معينة، فإن المثل يؤثر فيهم تأثيرا بالغا.
والمثل الشعبي قد يستعمل لأغراض تعليمية، فتارة يكون علي شكل نصيحة، وتارة يكون نقدا لازعا، واداه للتشهير والسخرية تماما كما تعالج النكتة المصرية الأوضاع التي لا تتفق مع رغبة الجماعة ، وبعض الأمثال تتسم بروح الفكاهة فهي عبارة عن صورة كاريكاتورية.

ولدينا الآن نماذج من الأمثال الشعبية السودانية تمثل الأغراض التعليمية كمثل" راكوبة الكضب هديمة وبيت الصح يقيف لا ديمة "

درب السلامة للحول قريب " صنعة في اليد أمانا من الفقر"
والأمثال النقدية اللازعة كمثل " عينك في الفيل وتطعن في ضله ؟ ! "
يضرب للشخص الذي يجبن عن مجابهة الواقع ، فيتعلق باسباب واهية لائمت إلي الأصل بصلة، ومثل " غلفه وشايله موسي تطهر" يضرب للشخص الذي يحث الناس علي فعل شئ، بينما هو نفسه لا يقدم علي فعله. أما المثل الكاريكاتورى كمثل " الضايق عض الديب بخاف من مجر الحبل " يضرب للشخص الذي يلوذ بالفزع والفرار كلما ألمت به حادئة طفيفة .
من هذا نتبين أن المثل الشعبي أداة تعليمية لها خطرها في المجتمعات البشرية بقي لنا أن نتساءل كيف نفسر تشابه الأمثال، واتحادها في المعني في معظم البلاد العربية، بل اننا قد نجد أمثال ، من الهند والصين أو من البلاد الأوربية تتشابه في المعني؟ وللجواب علي ذلك نقول أن علماء الفلولكلور أرجعوا هذا التشابه أو الاتحاد في المعني؟ وللجواب على ذلك نقول أن علماء الفولكلور أرجعوا هذا التشابه أو الاتحاد فى المعنى إلي ناحيتين(1) الهجرات (2) وحدة التجربة.


الهجرات: مما لاشك فيه أن السودان دخلته هجرات عربية وغير عربية، من الجزيرة العربية ومصر، وبلاد المغرب، فلا يستبعد أن تكون تلك الهجرات قد حملت معها تراثها الشعبي الذي ضمنته المثل الشعبي، ولذلك تجد تشابها قويا بين المثل السوداني والمصري والسوري ، والعراقي .

وحدة التجربة: فسر علماء الفلولكلور ايضا هذا الاتحاد في الأمثال، أو التشابه بأن أي مجموعة من البشر لها تجاربها الخاصة، وخبراتها في الحياة فقد يحدث أن تتفق الشعوب في المعاني التي تضمنها الأمثال الشعبية . والسبب في ذلك هو وحدة التجربة الانسانية، وهذا لعمري أوضح تفسير يمكن أن نستفيد منه ليس في مجال الأدب الشعبي فحسب ، بل في المجال التاريخي أيضا، لأن فكرة التأثر غالبا ما تفقد عاداتنا وتقاليدنا الأصالة ، وتطبع تفكيرنا بالسطيحة والجمود.

فمثلا نجد الانسان العادي في الجزيرة العربية أكتوى بنار هذه التجربة التي تقول " من حفر حفرة لأخيه سقط فيها " والسوداني العادي أيضا عاش هذه التجربة في بيئته الخاصة، فعبر عنها بأسلوبه الخاص قائلا " التسوى كريت في القرض تلق في جلدها " وهكذا نجد أن المثل الشعبي السوداني عبارة عن سجل خالد للعادات والتقاليد والتجارب التي عاشها الانسان العادى في سالف عهده.

الأحاجى الشعبية والألغاز

يقول الشيخ عبد الله عد الرحمن " ويسمون الأحاجي في السودان الحجا جمع حجوة في كردفان والحجا قسمان طوال وقصار . أما الطوال فعبارة عن حكايات خيالية تؤثر في نفوس الصبيان كثيرا. فتراهم عندما يستمعون يضحكون. وأونة يبكون. وأخرى تكلح وجوهم. ومرة تنطلق أسرتهم. وهي بمثابة الروايات والقصص" فقد كانت الأحاجي اذن تلعب دورا خطيرا في المجال التربوي. فهي بمثابة السينما والاذاعة والمسرح في زماننا هذا. وهذه الأبيات للشاعر الشيخ عبد الله عبد الرحمن تحكي لنا في إيجاز أهمية الأحاجي في الازمان الغابرة يقول الشاعر.


وسامر الحي من عبد وفتيان بين البيوت وفي أعطاف وديان
في كل ليل تحاجيهم عجائزهم بابن النمير وسوبا وابن سلطان
وتارة يرهف الفتيان سمعهم إلي نوادر أجواد وفرسان
وابن الملحق لم تبرح حكايته في الحي يسردها أشياخ حمران
يا قبر تاجوج حياك الحياومشي بصفحتيك شذا ورد وريحان


الاحاجي أداة تثقيفية هامة :

يعتبر خالد عبد الرحمن أبو الروس من الرواد الأوائل الذين حاولوا أن يستلهموا روح المسرحية من تراثنا الشعبي كالأحاجي والأساطير الشعبية وخالد ابو الروس من مواليد أم درمان ولد سنة 1919 وتخرج من معهد أم درمان العلمي. وقد شغف بكتابة الروايات والأغاني الشعبية.



كما أنه يمتاز يروح فكاهية. وذكاء ملحوظ تأثر خالد أبو الروس بالقصص والملاحم الشعبية السودانية. كبطولة ود النمير. وقصة تاجوج التي تمثل الحب الانساني في اسمي صوره. ومما يحدد ذكره أن قصة تاجوج تعتبر من روائع القصص العالمية كرواية مجنون ليلي. ورواية رميو وجوليت مثلا وتاجوج عشيقة المحلق تنتمي إلي قبيلة تدعي " حمران"



ومن المسرحيات التي استلهمها خالد ابو الروس من الأحاجي الشعبية مسرحية سوبا والسبعة الحرقو البندر. وأمات طه . وقد مثلث معظم هذه المسرحيات علي خشبة المسرح في العواصم والآقاليم السودانية. ولا تزال هذه المسرحيات الشعبية التي أقتبسها ابو الروس من تراثنا الشعبي لا تزال أداة تثقيفية هامة تبث في النشئ الروح الوطنية والحماس . ولا يفوتنا أن أنحي تلك الأقلام التي أخذت تنبش هذه القصص الشعبية . وتعرضها في قالب تحليلي متين .



وهذه بعض الألغاز السودانية :

دخل القش ما قال كش – الظل .
عمي قصير وبصير – القدوم.
عمي طويل ما يلحق الكعكول – الدرب .
سبعة صقور من زمن الرسول لا ولدا زادا. ولا كبراً شاباً – أيام الأسبوع.
حبوبتى فى دكانه وتأكل فى مصرانه – اللبة.
كان شالوه ما بنشال وكان خاوه سكن الدار – الرماد
هى فيك لو عرفتها بكريك – الصرة.
شدرة فوق القيف لا برم ولا عليف – السن.
فيها فت سنينه وفيها فت عوينه وبسم الله علينا – الإبرة.
مطمورة أبو زيد ملانه – النجم.
شاتى بيوص عندها صخلة وعتوت – المرحاكه.
ملكين فى ككر إن غاب واحد الثانى حضر – الشمس والقمر.
مطارق الهوج والشرق اتخبطن – رشرش العين:




الشيخ فرح ودتكتوك
الشيخ فرح ودتكتوك عاش فى سنار فى زمن مملكة الفونج فى النصف الثانى من القرن السابع عشر، وهو من قبيلة البطاحين، يحب العلم والعلماء، وقد اشتهر بين قومه بالحكمة، فكان الناس يتناقلون كلماته، ويشعفون بكل ما يأتى به من أقوال وحركات، يحكى أنه نزل فى مرة فى حلبة الرقص حيث كان يوجد بعض السكارى والصعاليك الذين لعبت الخمرة بعقولهم ، فاخذوا يتصاحون ويرقصون فى صخب جامح، فتمنطق الشيخ فرح بعمامته، وأخذ يرقص معهم ، فاقبل عليه بعض محبيه، يستفسرون عن السبب الذى جعله ينخرط فى سلك هذه الشلة الفاسدة وهو الشيخ المتصوف الورع. فاشار الشيخ فرح بأسلوبه الحكيم، اصغوا أيها الناس إلى موسيقاهم، وضربات نوباتهم كأنها تقول " كم كبت وكم تكب ، وكم كبت وكم تكب." وهكذا أخذ الشيخ فرح يردد هذه الالفاظ، ويرقص على نغماتها، ولعل من هنا أتى المثل الشعبى الذى يردده "يغنى المغنى وكل حد على هواه" وبمرور الزمن صار الشيخ فرح كأنه شخصية اسطورية، تنسب إليه كل كلمة صائبة وكل كلمة طريفة حتى ملأ صيته الآفاق، ولهجت الالسن فى كل بقعة من بقاع السودان بنوادره الطريفة ومما لا شك فيه أن سبب شهرة الشيخ فرح هو نظراته الواقعية الى الحياة، وفهمهه العميقلنفسية الناس الناس كان يحيطون به فى تلك الفترة، فكان بمثابة فيلسوف القرية، يعالج مشاكل الناس يروح واقعية ويستمد براهينه من الظروف والملابسات الملموسة لدى فومه، يحكى أن جماعة من التجار. العيش أتو إلى الشيخ فرح يطلبون منه أن يبيعهم كمية من محصول السنة فأحسن الشيخ فرح استقبالهم ولكنه استشارهم فى أن يهلوه حتى يأخذ برأى العيش، فذهب إلى مطمورة العيش، وانحنى كمن يخاطب العيش " يقول الخمرى الداخرك لعمرى، اتعشى بيك واصبح مشتهيك" يشير الدكتور عبد المجيد عابدين بأن هذه النادرة تدل عام المجاعة، لأنه لم يعرف عن الشيخ أنه كان بخيلا، ولكن قلة المحصول جعلته شديد الحرص، فالشيخ فرح يقول مثلا.

بيتك لاتجيه من ليالى الحر.
جاهد الأرض لأجل الملود تنكر.
ليالى تفاه يا خوى لا تنفر.
سيد العيش عزيز الرحال تنجر.
***
الحارت يريده ربنا القدوس.
قدحة فى المواجب تجده متردع مدروس.
فى الدنيا جابو ليه الفى الغيب مدسوس.
فى الآخرة ساقه الرسول على الفردوس.

ولعل فهم الشيخ فرح العميق للحوادث، ونضج تجارية الذاتية، ونظرته الصوفية إلى ظواهر الكون لعل هذه الشياء خلقت منه مفكراً يسبق الحوادث بعقليته الفذة، ويرى ما لا يراه قومه حتى أنه أتى بتنبؤات لم تلبث أن تحقق بعضها، كما أنه يجب أن ندخل فى اعتبارنا ما نسجه العوام فى فترات متفاوتة، ومما ينسب إلى الشيخ فرح وتكنوك أنه قال فى زمن لم يس تعمل فيه التليفون أو السكة الحديد، "قال آخر الزمن السفر يبق بالبيوت والكلام يبقى بالخيوط وبيل نظرة فى النيل، وكأنه يصعب عليه أن يحول هذا النهر عن مجراه الطبيعى مما يترتب عليه من مشارع ومشاق، كغمر النيل للأرض الخصبة، كالجروف التى كانت مصدراً للرزق، فتنبأ الشيخ "بكرة يجوك مقطوعين الطارى، ييسكونوك الضهارى.



ويقول الشيخ فرح ودتكتوك "آخر الزمن شوف البقت. والنوق من الشيل دبرت. المحنة راحت ما قبلت. الجنى للوالدين جفت. العافى ليده ما تلفت. الحرة كالخادم مشت. مرقت برة انكشفت.

راحوا لرجال تلت الجتت. والصح دروبه انسدت. كيف يلحقوك فقرا البخت.

أغانى الصبية
مما لا شك فيه أن اللعب وسيلة الطفل الطبيعية فى تفهم مشاكل الحياة التى تحيط به، فمن طريقة يكتشف الطفل البيئة التى يعيش فيها، ويوسع من ثقافته ومعلوماته ومهارته، ويعبر عن أفكاره فى أسلوب طلق، بل أنه عامل من عوامل التكيف الضرورى بين الطفل والبيئة التى يعيش فيها. فوظيفة اللعب أذن تتركز فى الفهم والتعبير والتكيف، وإذا كان عالم النفس ينظر إلى اللعب من الناحية السيكولوجية أى أنه يفلسف اسليب لعب الأطفال من حيث هى وسيلة تساعدهم على تفهم الأطفال المرضى بأمراض نفسية، ومن حيث هى طريقة من طرائق العلاج النفسى، فان عالم الفولكلور يمثل جانبا من التراث الشعبى، إذ أن معظم العادات والتقاليد والطقوس الدينية، والملاحم البطولية تكمن فى تلك اللعب الساذجة التى يزاولها الصغار فى البدو والحضر.

ولعب الأطفال عندنا فى السودان يمثل جانبا هاما من أسلوب حياتنا وتريخنا كلعبة شليل وينو، ولعبة كركعوت، ولعبة حرينا، وكألعاب الفروسية، فألعاب الفروسية مثلا تبرز مدى هضم الطفل لتاريخ بلاده، وتأثره بالاحاجى والحكاوى البطولية التى تجعل من الأبطال أناساً يتمتعون بقوة خارقة، فهذا طفل مثلا يمتطى عصاه فى زهو وكبرياء، كأنها فرس عنيد فيتخيل نفسه فارساً مغواراً يشن الغارات تماما كما تروى الأساطير والأحاجى.


وما دمنا نتحدث عن لعب الأطفال، فهناك جانبا هاما يتعلق بالاقوال التى تقال أثناء ترقيص الأطفال ، فغالبا ما نجد الأم تنسج ابياتا تلقائية من الشعر الشعبى التى تضمنها الآمال والأمانى التى تعقدها على فلذة كبدها، كأن تتمنى له أن يصبح رجلا يتحلى بالحصال الحميدة، كالكروم والشجاعة والمروءة.

والأغنيات التى تقال أثناء ترقيص الصبية تعكس لنا نفسية الأم تجاه الأجيال الصاعدة، انظر الى هذه الأم التى تمرجح طفلها بين يديها فى بهجة وحنان وتغنى له:

سرح وجانى. وحلب عشانى. وضرع كسانى.
بينما نجد هذه الأم لنبتها الصغير أن ينمو فيأخذ باسباب المدنية، فيغتنى العربات، ويترحل بالطائرة، ويجالس الأعيان الكبار حيث تقول:

ما بسرح بى تك وما جانى غلبان يتحك
يركب عربية ما حمار وبشيل بندقية ما فراز
وبتسوح بالطيار وبجالس الأعيان الكبار


وتمعن أيها القارئ فى هذه الكلمات البسيطة المعبرة التى تعكس أمانى الأخت تجاه أخيها الصغير محط آمالها فى المستقبل:

دايراك يا على تكبر تشيل حملى
الجار العشير الكان أبوك بيدى
والغنى والفقير الكان أبوك حامى
السولب من العلج الحرير أكسى

بينما هذا الأب يحمل ابنته الصغيرة بين يديه ويمرجها وهو يدندن بهذه الكلمات:

ما حميرة بتتطنقره وما بتعرط القنقر
كل صباح تتمنضر وبتتسوك بالصندل
وعادة ترقيص الصبيان انت موجودة عند العرب منذ قديم الزمان، فانظر إلى هذا العربى يرقص ابنته فيصف شعوره نحوها، أنه يأمل أن تنمو ، فتصير جارية فاتنه كريمة الخلق عذبة الفم :
كريمة يحبها أبوها.
مليحة العينين عذبا فوها.
لا تحسم السب وإن سبوها.
أدب الملحمـة


فى كتاب المصباح المنير " التحم القتال اشتبك واختلط ، والملحمة القتال" يقول الدكتور عبد الحميد يونس معرفاً الملحمة " إن الملحمة هى بعينها التاريخ يصدر من عاطفة جماعية معينة ووظيفتها الأولى هى المحافظة على مقومات الجماعة ، وخصائصها بين سائر الجماعات "وتذكر الأستاذة نبيلة إبراهيم " أن الملحمة قصيدة غنائية ذات طول معين ، ونختص بحوادث تتسم بطابع الأهمية والعظمة " ونستنتج من هذين التعريفين أن الملحمة تختص بالمعارك الحربية ، فهى سجل خالد للبطولات التاريخية وأنها يجب أن تصدر عن الوجدان الجماعى حتى تبرز الطابع القومى فى صدق ووفاء ، وأنها سجل خالد للقيم والمثل ، والعادات والتقاليد ، تتمتع بهذه المثل شخصية لها القيادة الفكرية والبطولة الخارقة لتعبر عن نفسية الشعب تعبيراً صادقاً ، وتخلد تاريخه فى أسلوب جماعى .

ويرى الدكتور عبد الحميد يونس وهو من كبار مؤرخى هذا اللون الشعبى أن الملحمة تمر باطوار حتمية لابد ان تتصف بها كل جماعة من الجماعات يقول " أن الجماعات مهما اختلفت مدارجها وحظوظها من النمو والتطور تمر كالأفراد بمراحل متشابهة ، بالمرحلة الأسطورية التى تفسر بوساطتها ظواهر الحياة والكون ، وترد إليها ما خفى من أسباب وعلل وتؤثر فى وعيها لنفسها " ثم يبرهن عن هذا القانون الحتمى الذى استنبطة من دراستة الفولكلورية فيقول " آثار هذا التطور لا تزال تهدد حتى فى الجماعات المتحضرة كالعضو الأثرى فى جسم الكائن الحى .. تبدو فى بعض العادات التى فقدت وظائفها القديمة المتوغلة فى القدم .. " ثم يعلل أن كل جماعة مرت بهذا الطور كالقبائل الجرمانية ، والرومان واليونان وبابل ومصر . وتسلم هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى لا تنسخها تماماً وإنما تأخذ منها وتضيف إليها وتعدل في صورة الفكر ووظيفتة وهذه المرحلة هى التى نستطيع أن نسميها بالعصر الملحمى او عصر البطولة وذلك لأن الجماعة العادلة ومكانها فى الجماعات الأخرى المتحالفة معها أو المحاربة لها وتتسم هذه المرحلة بغلبة الوجدان الجماعى .


فالملحمة إذن عصارة تجارب وتاريخ لحياة الشعوب وتحكى نفسية الجماعة وتعبر عن وحدانهم القومى .
ففى السودان مثلاً تحسس الشعب تراثه التاريخى فتقمص شخصية إبى زيد الهلالى وعنترة بين شداد حتى يستمد القوة من تراث الاجداد فكانت الأحاجى والألغاز والحكاوى والأساطير بمثابة تعبئة روحية تبث روح البطولة ، وتحث الأجيال على الدفاع عن عادتهم ومقوماتهم الأصيلة .
لقد نكب الشعب السودانى بالغزو التركى ، جاء الأتراك بلادنا فبثوا فيها الفوضى ، واستبعدوا رجالها ، وهنا نجد الشاعر الشعبى خير معبر عن تلك الفترة لانة الصق بالبيئة من غيره ، فقد كان له دور خطير لا يقل عن دور الشاعرة مهيره عبود شاعرة الشايقية تمتطى ناقتها وتتقدم الركب تتغنى بمفاخر قومها ، وتدفعهم إلى محاربة الأتراك الغزاة ولقد كان لها شأن عظيم فى ذلك ، وتقول الشاعرة مهيرة بت عبود :
عجبونى الجنيات راكبين خيول الكر
قدامن عقيدن بالأغر دفر
يالباشا الغشيم قولى لى جدادك كر .
وفى عهد المهدية اشتهرت الشاعرة " بنت المكاوى " بالتغنى ببطولة المهدى فكان لها دور خطير فى محاربة الأتراك الغزاة تدعو المهدى إلى الحرب لأنها ترى فى الحرب العز لقومها حيث تقول
طبل العز ضرب هوينة فى البرزة
غير طبل ام كبان أنابشوف عزه
إن طال الوبر واسيه بالجزة
وإن ماعم نيل ما فرخت وزه
" البرزه " العراء " ام كبان " الحرب

بينما نجد الشعراء التقليديين فى تلك الفترة كانوا يعيشون فى بطون الكتب ويترفعون عن حياة العامة يجارون أمثال جرير والفرزدق بل ينزع البعض إلى مدح الأشخاص فرأينا مدح الخديوى ومن تقرب إلى الاولياء والدراويش ومما يجدر ذكره أن المدرسة التقليدية فى السودان بالرغم من موقفها السلبى وترفعها عن حياة العامة فإنها خدمت الثقافة العربية فى السودان اجل خدمة ، فلوتر كنا الجانب الموضوعى واتجهنا إلى الشكل لوجدنا تقدماً فنياً ملحوظاً فى بناء القصيدة على أننا يجب أن نشيد بشعرائنا التقليديين فهم على الأقل وضعوا لنا اللبنة الأولى فى بناء نهضتنا الأدبية .